أبي منصور الماتريدي

235

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ . قيل « 1 » : مجير لكم : مغيث ؛ فعلى هذا التأويل كان قوله : وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ؛ كأنه يخبر عن الله أنه يغيثهم كما أغاثهم من قبل في غير مرة . وقال بعضهم « 2 » : إن الشيطان تمثل في صورة رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم « 3 » ، فأتاهم فقال : لا ترجعوا حتى تستأصلوهم ؛ فإنكم كثير وعدوكم قليل فتأمن عيركم ونحو هذا من الكلام . وقال صاحب التأويل الأول : لا يحتمل هذا ؛ لأن أهل مكة كانوا جبابرة ، وأهل قوة وبطش وبأس ، فلا يحتمل أن يصدروا عن آراء رجل هو دونهم وهم بالوصف الذي ذكرنا . وعلى هذا التأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله : وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ما ذكر في بعض القصة « 4 » أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا واستشاروا « 5 » فيما بينهم ، فأتاهم إبليس متمثلا بسراقة ، فامتنعوا عنه واستأخروا ، فلما رأى ذلك منهم ، فقال : إني جار لكم وكان جارا لهم ؛ فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ، أي : رجع مستأخرا مقبلا

--> ( 1 ) انظر : تفسير الخازن والبغوي ( 3 / 51 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 364 - 365 ) عن كل من : ابن عباس ( 16198 ، 16203 ) ، السدي ( 16199 ) ، عروة بن الزبير ( 16200 ) ، ابن إسحاق ( 16201 ) ، قتادة ( 16202 ) ، الحسن ( 16206 ) ، محمد بن كعب ( 16207 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 344 - 345 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ، وللطبراني وأبي نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصاري . ( 3 ) سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة ، الكناني المدلجي . وقد ينسب إلى جده . يكنى أبا سفيان ، كان ينزل قديدا . روى البخاري قصته في إدراكه النبي صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، ودعا النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى ساخت رجلا فرسه ، ثم إنه طلب منه الخلاص وألا يدل عليه ففعل ، وكتب له أمانا وأسلم يوم الفتح . فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه وكان رجلا أزب كثير شعر الساعدين ، فقال له : ارفع يديك وقل : الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة الأعرابي . قال أبو عمر : مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين . وقيل : بعد عثمان . ينظر : الإصابة ( 3 / 35 - 36 ) ، أسد الغابة ت ( 1955 ) ، الاستيعاب ت ( 912 ) ، الثقات ( 3 / 180 ) ، تجريد أسماء الصحابة ( 1 / 210 ) ، تقريب التهذيب ( 1 / 284 ) ، تهذيب التهذيب ( 3 / 456 ) ، تهذيب الكمال ( 1 / 466 ) ، الكاشف ( 1 / 349 ) ، الجرح والتعديل ( 4 / 1342 ) . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 264 ) ( 16200 ) عن عروة بن الزبير . ( 5 ) في ب : وأشاروا .